مراجعة كتب

قراءة في كتاب الغوريلا الخفي The Invisible Gorilla

Reading Time: 6 minutes

قراءة في كتاب الغوريلا الخفي The Invisible Gorilla

قد نعتقد أننا أذكياء ولدينا حدس قوي الذي يقودنا لاتخاذ قرارات صحيحة الأمر الذي قد لايكون صحيحاً على الإطلاق. في هذه المقالة أستعرض معكم بعض من هذه النقاط التي ذكرها الكاتب كريستوفر تشابريس في كتابه The Invisible Gorilla.

لايمكن الوثوق بالحدس

يحدث في كثير من الأوقات أن تقوم باتخاذ قرار بناءً على حدس معين لكن ينتهي بك المطاف في موقف أصعب من السابق. كثير من كتب التنمية البشرية تحث القارئ على الاعتماد على الحدس على خلاف الاعتماد على البيانات والتحليل. أولاً ماهو الحدس؟
الحدس هو فهمك لموقف معين بشكل فِطري. أحيانا قد يكون الأمر “منطقي” بالنسبة لك أن تتخذ القرار لأنك “تشعر” أن هذا هو القرار الصحيح. قد يكون شعورك هذا بناءً على تجربة سابقة أو معرفتك بأمر مشابهة لكن في الواقع قد يكون خطأ لأن الحدس له حدود معينة والتي بعدها يصبح الاعتماد عليه مصدراً للقرارات الخاطئة. الأمر الآخر، حدود لغتنا يجعل الوثوق بالحدس أمر غير موثوق به. مثلا تجد الكثير يردد عبارة “لاتحكم على الكتاب من غلافه” وذلك لأنه ليس دائما يمكن تقييم موقف معين من الوهلة الأولى.

نعتقد أننا حادي الملاحظة

الكاتب كريستوفر قام بعمل تجربة الغوريلا الخفي The invisible gorilla وكانت التجربة أنه طُلب من المشاركين مشاهدة فيديو. في هذا الفيديو فريقان يلعبان كرة السلة. فريق يلبس الأبيض وفريق يلبس الأسود. كانت مهمة المشاهدين أن يقوموا بعَد عدد التمريرات التي يقوم بها الفريق الأبيض وفي وسط الفيديو يدخل رجل على شكل غوريلا يلبس بدلة سوداء رسمية لمدة قصيرة ويغادر.

غالبا سيلاحظ المشاركين بالتجربة شيء غريب صحيح؟ في الواقع كان لا. نصف المشاركين تقريباً لم يشاهدوا الغوريلا لأنهم كانوا مركزين على عد التمريرات. طبعا هذه التجربة تجعل الشخص يفكر قليلاً بالأحداث. عندما يحدث أمراً ما، تجد أكثر الناس تتساءل نفس الأسئلة، وترى نفس وجهة نظر الموقف، ونفس الأسباب والنتائج. لكن أكيد هناك أمور أخرى اللي غالباً لا ينتبه لها أحد.

الأمر الآخر، أننا لا ننتبه للأشياء اللي لا نبحث عنها. يبدو الأمر منطقياً صحيح؟! لكن المهم هنا ملاحظة أننا قد نفقد معلومات مهمة وقد تكون خطيرة. على سبيل المثال كثير من الحوادث مابين السيارات واصحاب الدراجات النارية هو عدم مشاهدة صاحب السيارة للدراجة النارية وذلك لأن سائق السيارة عندما يلتف إلى اليسار يتوقع السيارات وليست الدراجات النارية مما يؤدي لحوادث مشابهة.

ذاكرتنا ليست فعّالة كما نعتقد

في دراسة للكاتب، 74% من الناس يعتقدون أن الذاكرة لا تتغير و 96% يعتقدون ان الذاكرة مثل كاميرا الفيديو التي تقوم بالتقاط الصور ولا تتغير مع مرور الزمن. لكن هذا طبعاً غير صحيح لأن الذاكرة غالباً تقوم بتخزين معلومات كثيرة بشكل يومي.
في تجربة، تم إعطاء بعض المشاركين 15 كلمة وإعطاءهم بعض الوقت لحفظها ثم ذكرها غيباً. الغريب أن بعض المشاكرين قاموا بذكر بعض الكلمات التي كانت غير موجودة لكنها تتشابه مع كلمات أخرى.

هذا يدعونا للتساؤل عن مدى صحة البيانات التي نستذكرها عن المواقف والأشخاص والمحادثات وغيرها. أحيانا عندما تتشابه المواقف والأحداث تقوم الذاكرة بنوع من الدمج ما بين الحدثين والذي يجعلنا نستذكر “المعنى” من حدث أو موقف معين أكثر من “الموقف الفعلي”.

إضافة إلى ذلك، هناك بعض الذكريات التي تأتي من مصادر مختلفة عما نتوقعه. على سبيل المثال، شخص يتم إخباره بحدث ما من صديق، لكن هو يقوم بإخبار شخص آخر عن هذا الحدث وأنه علم بشأنه عن طريق الأخبار. هذا النوع من الخلط يسمى ب Failure of source memory.

الثقة يمكن أن تخدعنا

قد تعتقد أنك ذكي واذكى من غيرك، لكن هذا قد يكون مجرد توهم. 96% من الأمريكيين و 70% من الكنديين يعتقدون أنهم أذكى من الأخرين.
في دراسة أجريت على لاعبي الشطرنج، الأغلبية ذكروا انه تم البخس في تقييمهم ب 100 نقطة على الأقل. والملاحظ في الدراسة أنه كلما كانت المهارة أقل كلما ارتفع تقدير اللاعب لمهاراته.
الغريب في هذا أن الكثير من الناس يقوم بشكل خاطئ بترجمة ثقة الآخرين العالية على أنها مؤشر عالي للمعرفة أو الخبرة. في دراسة أجريت في جامعة روتشستر عام 1986 المشاركين شاهدو فيديو لطبيبان يصفان دواء. الطبيب الأول وصف الدواء بثقة عالية جداً بينما الطبيب الآخر قام بالنظر في الفحوصات قبل وصف الدواء. كانت النتيجة أن الكثير من المشاركين كانت لديهم الثقة بشكل أكبر في الطبيب الذي قام بوصف الدواء دون النظر في المرض. هذا يعطينا مؤشر أن الناس تعمل على اتباع الشخص ذو الثقة العالية على عكس نظيره حتى لو كان على خطأ.

هذه النقطة مهمة من عدة نواحي. مثلاً إذا كنت صاحب بزنس، يمكنك استخدام هذي الطريقة في التفاوض مع مستثمر معين أو طرف ثالث. إذا كنت تاجر أو رجل مبيعات، يمكنك استخدامها مع العملاء. إذا كنت Team Leader أو مدير مشروع، سيتم النظر إليك بنظرة مشابهة. ثقتك في اتخاذ القرار أو تحليل موقف ستعتمد بشكل كبير على ردة فعلك عند مواجهتك للموقف. أيضاً هذا يضع المسؤولية على كتفك إذا كنت صاحب القرار حيث أن من يأتي بعدك في سلسلة الأوامر Chain of commands سيعتقد أن هذا هو القرار الصحيح سواء كان على صواب أو على خطأ أو في بعض الحالات قد لا يتمكن البعض من رؤية الخطأ في القرار.
الأمر الأخير هو عدم مقدرة رؤية الشخص للخطأ في القرار إذا كانت ثقته عالية جدا لدرجة هو يعتقد أنه لايمكن أن يخطئ.

نعتقد أن معرفتنا كبيرة

كثير مننا يعتقد أنه يعرف كيف تعمل الأشياء. مثلا، هل تعلم كيف يعمل البروجكتور؟ الهليكوبتر؟ ريبيكا لوسن – عالمة نفس بريطانية – قامت بعمل تجربة وكان على المشاركين في البداية تقييم معرفتهم بالدراجات النارية ثم رسم دراجة. الكثير من المشاركين فشلوا في الأختبار.
الكثير مننا يعرف “ماذا يعمل الشيء” ولكن لا يعرف “لماذا يعمل الشيء” وكلما كان الشيء معروف بشكل كبير بالنسبة لنا كلما كان لدينا تصور أنه لدينا معرفة بطريقة عمله.

لو لاحظت كل شيء من حولك في البيت أو الشارع أو مكان العمل، ستجد أنه لديك تصور كثير بمعرفة طريقة عمل كل شيء ولكن فعلياً أنت لاتعلم طريقة عمل كل الاشياء. هذا يفتح الأفق بالتأمل لكل شيء من حولك. هل هناك طريقة أفضل لعمل شيء معين؟ هل هناك ميزات مفقودة في هذا الشيء؟ إذا بدأت بسؤال نفسك هذا النوع من الأسئلة ستلاحظ أن أغلب الأشياء تؤدي غرض معين وتفتقد للكثير من الميزات وهنا ستجد نفسك أمام فرص بزنس كثيرة ومتعددة.

في الحقيقة نحن نجهل عمل أغلب الأشياء من حولنا وهذا طبيعي. في النهاية نحن بشر ولدينا قدرات محددة وليس لدينا الطاقة الكافية لدراسة كل شيء نتفاعل معه. لكن اسأل نفسك، ماهو أكثر شيء تستخدمه أو تتفاعل معه لكن ينقصه الكثير من التحسينات أو الميزات؟ اعمل قائمة، ابحث، وقد تكون أمام فرصة مشروع ضخم.

توهم ارتباط الأسباب

كثير ما نسمع عبارة “شيء يؤدي لآخر” لكن هل هذا فعلاً صحيح؟ ليس دائما. لكن نحن غالباً نسمع عبارة مشابهة عندما يكون هناك سرد لأحداث معينة بشكل متتابع فيعمل دماغنا على ربطها والاعتقاد أن “سبب أدى لآخر”. أيضاً عندما يحدث شيئان في وقت واحد نعتقد أن حدث يسبب الآخر.

عندما تواجهك مشاكل معينة في مشروعك “أو حياتك الخاصة” حاول أن لاتربط الأحداث كلها مع بعضها. قد يبدو لك أن الأحداث كلها مرتبطة وكلها تسبب الأخرى الأمر الذي قد يكون صحيحاً في بعض الأوقات لكن أيضاً احرص على النظر في كل حدث على حدة. انظر لاحتمالية مسببات هذا الحدث بعيداً عن الأحداث الأخرى التي حصلت. هذا مهم لأنه أحياناً نسعى لتطبيق حل معين لمشكلة معينة باعتقادنا أن X هو المسبب للمشكلة لكن في الوقع يكون السبب شيء آخر.

في دراسة أجراها عالم النفس دونالد ريدلمير لإيجاد رابط مابين الطقس وآلآم التهاب المفاصل، طُلب من المرضى أن يوثقوا مستوى الألم لديهم كل يوم. بعد مقارنة مستويات الألم لدى المرضى بأحوال الطقس لم يتم إيجاد أي رابط مابين الإثنان وأن الأمر مجرد “اعتقاد”.

نعتقد بوجود إمكانيات يمكن الحصول عليها بسهولة

هناك ظاهرة اسمها “ظاهرة موزارت Mozart effect”. هذي نظرية ألفها الفيزيائي جوردون شاو Gordon Shaw والتي يقول فيها أن الإستماع لموسيقى موزارت يعمل على إطلاق قدرات هائلة للدماغ لأن تركيب موسيقى موزارت يشابه تركيب الدماغ. قام شاو بعمل تجربة حيث استمع المشاركين لموسيقى موزارت لمدة عشرة دقائق ثم قام بقياس ال IQ الخاص بهم ولاحظ أن من استمعوا لموسيقى موتزارت زادت نسبة ال IQ لديهم بمعدل 9 نقاط.
بعد هذه التجربة، قام بعض العلماء الآخرين بتجربتها لكن لم يتوصلوا لأي نتيجة لظاهرة موزارت. في الحقيقة أنه لو كان 90% من دماغنا لا يعمل هذا يعني أننا أموات دماغياً بنسبة 90%! وأن كتلة الدماغ الكبيرة غير مفيدة وزائدة عن الحاجة!

أفضل الإمكانيات هي التي تأتي بعد جهد سواء منك بشكل شخصي أو ستدفع مقابل مادي للحصول عليها من شخص قام بها بشكل شخصي. أيضاً بعض الإمكانيات تأتي أما من إرادة قوية، ظروف ممتازة أو دعم مباشر من جهات تهتم بالحصول على مهارات ممتازة.

 

الخلاصة:

  • عندما يكون لديك فكرة معينة لمشروع قد يأخذك الحماس لفكرتك أن المشروع ناجح وسيحقق أرباح وأنك “تشعر” أن الناس ستتقبل المنتج. لكن بعد إطلاقك للمشروع تتفاجئ بالنتائج الغير متوقعة. حاول أن تعتمد أكثر على البحوث والأرقام والدراسات التجريبية empirical studies.
  • اعتمد أكثر على الحقائق الواضحة عند اتخاذك لقرار وليس “الاعتقادات” أو الأخبار المتناقلة عن حدثٍ ما أو مشكلة ما.
  • قم بعمل أسئلة فعّالة Effective questioning على المشاكل أو العقبات التي تواجهك حتى تصل إلى جذر المشكلة ثم حلها. 
  • استعن بأصحاب الخبرات والتجارب والحصول على التوجيه المناسب بدلاً عن الإعتماد الكلي على ذكاءك الشخصي وحدسك. هذا سيوفر لك الكثير من الجهد والموارد وسيساعدك على بناء سمعة جيدة وذلك بتجنبك لقرارات خاطئة من البداية
  • معرفتنا ستظل دائماً محدودة لذلك احرص على دفع نفسك خارج منطقة الراحة الخاصة بك ورفع من مستواك المعرفي بالقراءة والإطلاع

المصادر:

The Invisible Gorilla

18
السابق
اطلاق منصة إثراء
التالي
كيف أبدأ مجال أمن المعلومات؟

4 تعليقات

أضف تعليقا ←

  1. م. عمرو الشميري قال:

    اقتباس رائع وفتح لي افاق تفكير جديدة وتسائلات كثيرة بتاخذ مني منحنى اخر في البحث والتفكير..
    شكراً تحياتي لك مهندس ماهر ومنتضر المقال التالي

  2. وضاح عبدالقادر قال:

    مقال ثري المحتوى مع بداية إنطلاق إثراء .. رائع

  3. مقال جميل.
    عندي ملاحظات بسيطة فقط من الناحية اللغوية. بحكم ان الهدف من منصة اثراء هو اثراء المحتوى العربي على شبكة الانترنت، فحري بكم اخي الكريم توظيف محررين متمكنيين من اللغة العربية.
    في المقال وجدت الفاظ وعبارات غير دقيقة لغوياً وهي أقرب ماتكون للعامية. مثل “تجد أنه لديك..” بدلا من “تجد أن لديك..” وأيضاً “عندما يحدث أمراً ما..” بدلا من “عندما يحدث أمرٌ ما..”. هذان مثالان فقط من ما لاحظت من الاعراب الخاطئ والتركيبات اللغوية الخاطئة.
    في الحقيقة لا ادعي اتقاني التام للغة ولربما وجدت العديد من الأخطاء في تعقيبي هذا. ولكن حين يجد شخص عادي مثلي العديد من الأخطاء، مابالنا بمن هو متمكن من اللغة العربية؟
    انا فخور بمجهودكم في هذه المنصة وارجو ان لايحمل تعقيبي على سبيل التثبيط بل هو من باب النقد البناء.

    شكراً على مجهودكم ورحابة صدوركم

    1. admin قال:

      السلام عليكم عزيزنا عارف
      نحن مازلنا في بداية المشوار وكل هذا الموقع يدار بحهود ذاتية, والان نحن نبحث عن متطوعين لعمل التصحيحات اللغوية, او نجد تمويل يمكننا من التعاقد مع محررين عملهم التدقيق اللغوي.
      تعليقك هو دليل على حب وان شاء الله يتم مراجعة المقالات من قبل متخصصين.
      شاكر لك مرورك

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.