ريادة الأعمال

من طفل شغوف بالإلكترونيات والفضاء الى أغنى رجل في الأرض من هو قارون العصر الحديث “جيف بيزوس”

Reading Time: 7 minutes

في الماضي كان الناس عندما يتحدثون عن الثراء والغنى الفاحش فإنهم يضربون الأمثال بقارون وكنوزه فجميعنا يعرف قصة هذا الرجل الثري الذي جاء ذكرها في القرآن الكريم فقد كان يمتلك ثروات وأموال طائلة لم تكن لأحداً غيرة في الأرض .

وعلى مر التاريخ شهد العالم تعاقب سلسلة من الاثرياء مثل عائلة روكفلر و روتشلد وغيرهما ، وفي عصرنا الحالي فرضت التكنولوجيا على العاملين فيها ثروات ضخمة ومن لا يعرف “بيل جيتس” مؤسس شركة البرمجيات الأمريكية مايكروسوفت الذي تربع على قائمة اثرى أثرياء العالم لمدة اربعة وعشرين عاما وطوال تلك المدة لم يستطع أحدا مجاراته والوصول الى ما وصل إليه.

لكن كما يقال دوام الحال من المحال، وكان العام 2017 أخر أعوام جيتس في صدارة قائمة أثرى أثرياء العالم فقد إستطاع الأصلع الماكر “جيف بيزوس” إنتزاع هذا المركز منه وذلك بعد أن قفزت ثروتة في أواخر شهور العام 2017 فوق ثروات جميع من في القائمة ليحتل المركز الأول وبدون منازع وذلك بفعل ارتفاع قيمة السهم الواحد من شركتة آمازون إلى مستويات قياسية.

ووراء هذا الملياردير العصامي الذي بدأ من الاشيء قصة نجاح ملهمة كان التمرد والشغف أحد أهم أبطالها بالإضافة إلى النظرة بعيده المدى التي حددت ملامح المستقبل وما سيكون عليه بدقة ووضوح .

فمن هو جيف بيزوس؟ وكيف بدأ مسيرتة في عالم ريادة الأعمال وشركات الدوت كوم؟ وكيف وصلت أمازون إلى الإمبراطورية التي هي عليها الآن؟ هذا ما سأعرضه وأكثر خلال السطور القادمة .

من عامل في ماكدونالدز الى أغنى رجل حي على وجه الأرض :

” لا يمكنك أن تصل الى حلمك في يوم وليلة فلن تستيقظ  صباح الغد لتجد أن كل التحديات قد مرت بسلام وأن كل المهام قد أنجزت, فلا يمكنك أن تخطي الخطوات بل عليك وضع قدمك أمام الأخرى فالأشياء عادة تستغرق وقتاً طويلاً ولا يوجد اختصارات لذلك, لكن عليك أن تنجز هذه الخطوات بضراوة وشغف.” 

ولد “جيفري بريستون جورجنسن” في العام 1964لأبوين مراهقين لم تستمر علاقتهما طويلاً، وبعد انفصالهما تزوجت والدته من مهاجر كوبي يُدعى “مايك بيزوس” وأخذ جيف اسم شهرته بيزوس من زوج والدته الذي وافق على تبنيه .

كان طفلاً ذكياً ومتفوقاً في دراستة الأساسية والثانوية وقد ظهر لدية شغف كبير بالالكترونيات منذ الصغر وخلال فترة مراهقته تحديداً في سن الـ 16 عمل في ماكدونالدز كطاهي ووصف لاحقاً تجربته هذه بأنها كانت سبباً لتعلمة المسؤولية وأشياء مختلفة عن الذي تعلمها في المدرسة.

بعدها إلتحق بجامعة ” برينستون” في ولاية نيوجيرسي الأمريكية ودرس فيها الهندسة وعلوم الحاسوب وبعد تخرجه حصل على وظيفة في شركة D.E Shaw وهي شركة مالية حيث عمل فيها محللاً مالياً ، وعلى الرغم من النجاح الذي حققه في وظيفتة وترقيه الى مناصب قيادية داخل الشركة التي يعمل فيها إلا أنه تمرد عليها وتركها وذلك بعد أن قرأ بحثاً يقول بأن قطاع الأنترنت سيكون من القطاعات الواعدة وسيحقق طفرة كبيرة جداً في المستقبل.

لذلك قرر المخاطرة والدخول الى عالم الانترنت، تحديداً قطاع التجارة الالكترونية وخطرت في باله فكرة تأسيس موقع إلكتروني متخصص في البيع على الانترنت وهو ما كان فعلياً على أرض الواقع حيث أسس موقع امازون ليبدأ معه سلسلة من النجاحات المتتالية فقد تم اختيارة في العام 1999 من قبل مجلة التايمز كشخصية العام وملك التجارة الالكترونية بعد النجاح الكبير الذي حققته شركته أمازون .

ولم يكتفي بيزوس بأمازون فقط ، فقد قام بتأسيس عده أعمال أخرى منها شركته “بلو أورجين” Blue Origin” للرحلات الفضائية واستكشاف القمر وتأسيس هذه الشركة كان من احد احلامة الطفولية فلقد كان محباً للفضاء وشغوفاً به منذ صغرة ، أيضاً استحوذ على عدة شركات في مجالات مختلفة كما أنه قام بشراء الصحيفة الشهيرة الـ “واشنطن بوست”، مقابل 250مليون تقريباً .

وصحيح أن بيزوس أصبح من المليارديرات ودخل عالم الأثرياء وهو في سن ال 35 تقريباً إلا أن القفزة الكبيرة التي حققها كانت في أواخر العام 2017 تحديدا عندما قفز سهم شركة أمازون الى مستويات كبيرة جدا حينها قُلِبت كافة الموازين والقوائم لصالحه وذلك بعد أن تربع اسمة في أعلى قائمة أثرياء العالم ليصبح وبدون منازع أغنى رجل حي على وجة الأرض.

وفي العام 2018 كان في صدارة قائمة أثرياء العالم الذي تنشرها مجلة “الفوربس”، بعد أن تعودنا ولسنوات طويلة أن المرتبة الأولى دائما ما تكون من نصيب بيل جيتس ، ولكنه خسر هذه المرتبة وتراجع للمرتبة التي تليها، وللسنة الثانية على التوالي لايزال جيف المتصدر لهذه القائمة، ولسوء الحظ خسر جيتس المرتبة الثانية ايضا في القائمة لصالح الفرنسي “برنارد أرنولت”، منذ عده أيام.

  وعلى أعقاب ظهور قائمة فوربس السنوية للعام الماضي والتي أظهرت أن ثروة بيزوس قفزت بواقع 78 مليار دولار في عام واحد وهي زيادة ضخمة لم يسجلها أحد ممن مروا ضمن هذه القائمة من قبل ووصلت اجمالي الثروة الى 160 مليار دولار حينهانشر موقع “بيزنس إنسايدر” تقريراً حسابياً كشف فيه عن مقدار ما يكسبة أغنى رجل في العالم في الثانية والدقيقة والساعة وكانت الحسابات كالتالي :

▪الثانية = 2500$
▪ الدقيقة = 150 ألف $
▪ الساعة = 8 ملايين $
▪اليوم = 215 مليون$
▪الأسبوع = مليار ونصف مليار$
▪الشهر = 6 مليارات ونصف$
▪السنة = 78.5 مليار$

وحالياً تتأرجح ثروته فوق مستويات الـ 100 مليار دولار، وهذا المبلغ يفوق حجم اقتصادات دول بأكملها على سبيل المثال يبلغ حجم الناتج المحلي الاجمالي لتونس ولبنان والسودان مجتمعين ما يقاب 125.8 مليار دولار.

إنفاق بيزوس لمبلغ 88 ألف دولار يماثل في النسبة من الثروة إنفاق شخص عادي لدولار واحد فقط .

من موقع لبيع الكتب الى شركة تبلغ قيمتها السوقية تريليون دولار (محطات في مسيرة أمازون).

“سأفعل هذا الشيء الطائش.. سأبدأ نشاط هذه الشركة ببيع الكتب على الإنترنت.”

في عام 1994 أسّس  بيزوس موقع أمازون بادئًا به من كراج صغير في منزله، حينها لم يكن اسم الموقع كما هو عليه الآن ونتيجة لنطق الناس لذاك الاسم بأسماء مختلفة وسيئة، انزعج بيزوس من ذلك وأخذ يبحث عن اسم آخر أكثر تميزًا لموقعه إلى أن استقر على تسميته بـ أمازون.

وعن أسباب اختياره لهذه الاسم نسبة إلى نهر الأمازون الضخم بالإضافة إلى أن هذا الاسم يبدأ بحرف الـ A في تسلسل الحروف الأبجدية وكان الغرض من ذلك هو إبقاء الموقع في الترتيب الأول عند القيام بعمليات البحث عن المواقع، وحمل شعار الشركة شكل الابتسامة يمتد من حرف الألف إلى الياء (A-Z) وهو يشير إلى أن الشركة قادرة على توفير جميع المنتجات من الألف إلى الياء.

يذكر أنّ شركة أمازون أُسست برأس مال قدرة 100 ألف دولار ، وبدأت  نشاطها في بيع الكتب الورقية وفي هذا الصدد قال جيف بيزوس “كنت أقوم بإدخال كل الطرود إلى مكتب البريد بنفسي مستخدمًا سيارة شيفروليه بلايزر موديل 1987.” وهذه كانت بداية أمازون..

بعدها وبسنوات قليلة، تحديدًا في العام 1997خطرت لبيزوس فكرة جديدة وهي إدخال شركته في البورصة وذلك على الرغم من أنه في ذلك الوقت لم تكن الشركات التي تعتمد على الإنترنت أو ما يطلق عليها بالـ “دوت كوم” تكتسب ثقة الناس للتعامل فيها، وفي وقتها قُدر سعر السهم الواحد لأمازون بـ 18 دولارًا فقط، ولكن الشركة حققت أرباحًا وأخذت بالنمو والتوسع في عملها لاحقاً ، حيث أصبحت تتعامل في بيع وشراء عدد كبير من السلع والخدمات؛ كألعاب وشرائط الفيديو والإلكترونيات وغيرها وهو ما أدى إلى إرتفاع سعر السهم تدريجيًا.

لكن هذا الارتفاع تبعه هبوط حاد ففي العام 2001 حدث ما يُعرف بانفجار فقاعة الـ “دوت كوم” مما أدى إلى إنخفاض سهم أمازون من 107 دولار إلى 7 دولار فقط كما أدت هذه الفقاعة إلى تعرّض الكثير من الشركات التي تعتمد على قطاع الإنترنت إلى الإفلاس والخسارة ومن هذه الشركات شركة “هوتميل” وهي من الشركات الأكبر حجمًا والأنجح في ذلك الوقت.

وللخروج من هذه الأزمة اضطرت أمازون إلى تسريح عدد كبير من العاملين فيها وإقفال الكثير من المخازن والمتاجر وعدد من مراكز التوزيع الخاصة بها، ولكنها لم تكن النهاية، حيث بعدها وبفترة وجيزة بدأت الشركة بالتعافي تدريجيًا وأدخلت تحسينات على عملها ومنتجاتها وأضافت خطوط إنتاج جديدة كخطّ برمجيات جديد، وبدأت التعامل بالذهب ومن ثمّ إنتاج الملابس كما دخلت  أيضًا قطاع الأغذية. واستطاعت وبجدارة الخروج من أزمتها والتفوق على نفسها على الرغم من أنّ هناك العديد من الشركات التي لم تستطع الوقوف مجددًا بعد هذه الأزمة.

في الـ 2011 أطلقت الشركة الجهاز اللوحي Kindle fire وهو جهاز متخصّص بقراءة الكتب الإلكترونية، حينها قفز سعر سهم أمازون إلى 200 دولار، وفي يوليو من عام 2015 قفز سعر السهم الواحد إلى 500 دولار واستمرّت نتائج الأعمال الفصلية للشركة بالارتفاع حتى وصل سعر السهم  في الـ 27 من يوليو 2017 إلى 1050 دولار، ليحطم بعدها رقمًا قياسيًا جديدًا في 27  اكتوبر من نفس العام حيث وصلت قيمة السهم الواحد لأمازون إلى 1085.9 دولار متفوقًا على الجميع وجاعلاً من شركة امازون الشركة المتربعة على عرش التجارة الالكترونية والمحتكر الوحيد لهذا القطاع في العالم .

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب لكن العامين 2018 و 2019 كانا من الأعوام الأكثر حظاً لعملاق التجارة الإلكترونية آمازون ولكثير من شركات التكنولوجيا الأمريكية أبرزها شركة آبل التي وصلت قيمتها السوقية إلى التريليون دولار و أعتبرت حينها أول شركة تصل إلى هذه القيمة في التاريخ ، ولحقتها آمازون بعد فترة قصيرة ومن ثم دخلت شركة مايكروسوفت أيضاً الى مضمار التريليون، وحاليا لا يوجد شركة في العالم يبلغ قيمتها التريليون سوى العملاقتين مايكروسوفت وآمازون آما آبل فقد تراجعت قيمتها قليلا لكنها لا تزال في المرتبة الثالثة .

و النجاح المدوي الذي وصلت إليه شركة آمازون كان متوقعًا ولم يحدث بشكل مفاجئ، وذلك لعدة أسباب أهمها مرونة هذه الشركة وتأقلمها مع كافة الظروف بالإضافة إلى تطورها وتحسّنها المستمرّ في عملها والخدمات التي تؤديها ، وتوسع استثماراتها في العديد من القطاعات الواعده كـ الذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات والحوسبة السحابية والخدمات اللوجستية وغيرها الكثير والكثير.

ولعل السبب الأبرز الذي قاد هذه الشركة إلى هذا النجاح الساحق هو هوسها واهتماها الشديد بعملائها، فالعملاء هم الأساس والمحرك الأهم الذي يقود الشركات إلى الإبداع والابتكار، على حدّ قول بيزوس.

الحياة الشخصية والعائلية لـ “”بيزوس ” وطلاقة الأغلى في التاريخ

يبدوا أن بيزوس لم يستطع المحافظة على معادلة الحياة الصعبة فنجاحه العملي والمالي أثر سلباً على حياته الشخصية وكلفة خسارة فادحة لزواجة الذي دام لمدة 25 عاماً ونتج عنه أربعة أبناء ، حيث أعلن في وقت مبكر من العام الحالي خبر طلاقة من زوجتة ماكنزي وهو ما أحدث ضجة واسعة في العالم وأثار عده تساؤلات أبرزها كم ستبلغ قيمة هذا الطلاق كونه ليس طلاقاً عاديا ً فنحن نتحدث عن أغنى رجل في العالم .

يذكر أن جيف تزوج من ماكنزي في العام 1993، وهو لا يزال موظفاً وبعد سنة واحده من زواجهما أسس شركته آمازون وأصبح تباعاً من أثرياء العالم .

وبموجب القوانين الغربية وتحديداً في أمريكا وولاية واشنطن على وجه الخصوص وهي الولاية التي يسكن فيها الزوجان بيزوس هناك قانون يُلزم طرفي الإرتباط بتقاسم الثروات التي جُمعت أثناء فترة الزواج بالتساوي بينهما .

وتطبيقاً لهذا العُرف التقليدي فقد نصت تسوية طلاق الزوجين الأغنى في العالم على أن يدفع بيزوس لطليقتة مبلغ 38 مليار دولار ، فهي ستحصل على 4% من أسهمه في آمازون اي مايقارب 25% من إجمالي الأسهم التي يمتلكها في الشركة، على أن يحتفظ بحق التصويت على كافة الأسهم ومنها أسهم طليقته.

ومبلغ 38 مليار دولار الذي دفعه بيزوس لتسوية طلاقة لم يؤثر كثيرا على إجمالي ثروته فهو لا يزال الرجل الأغنى في العالم، ولكن هذا المبلغ جعل من طليقته ثالث أغنى إمرأة في العالم كما أنه خولها للحصول على لقب أغنى طليقة في التاريخ .

2
السابق
كيف يتسبب التعليم التقليدي والوظيفة المرموقه في جعلنا فقراء ومفلسين( فلسفة العمل الحر ودروس الثقافة المالية الستة )  
التالي
كيف تتأقلم مع التغيير في حياتك

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.