ريادة الأعمال

شعوره بالألم لتخلي والداه عنه صنع منه أفضل مدير تنفيذي في التاريخ (القصة الكاملة لنجاح شركة أبل ومؤسسها الراحل ستيف جوبز)

Reading Time: 11 minutes

” لقد أسس ستيف شركة ابل منطلقا من إيمانه بأن قوة الإبداع البشري يمكن أن تنتصر على أعتى التحديات و أن  الناس الذين يمتلكون القدر الكافي من الجنون ليعتقدوا أن بإمكانهم تغيير العالم هم فعلا من يغيرونه.”

نص مقتبس من رسالة ملهمه للغاية بعثها المدير التنفيذي لشركة آبل “تيم كوك” إلى فريق عمل الشركة بمناسبة وصول القيمة السوقية لها إلى تريليون دولار لتصبح بذلك أول شركة في التاريخ تقتحم حاجز التريليون وتصل إلى هذه القيمة الضخمة  في نهاية شهور العام الماضي .

وكعادته تقدم كوك بشكره وعرفانه للمجهودات التي بذلها كافه العاملين وللعملاء والموردين وجميع الأطراف الفاعلة في الشركة , ولم ينسى إرجاع الفضل إلى أيقونة أبل ومؤسسها الراحل “ستيف جوبز ” فعلى حد قولة إن الشركة ومن عليها ماضون في درب جوبز ومقتبسون لنجاحاتهم من وحي أفكاره وإلهامه.

والحديث عن نجاح آبل وعن وصولها  إلى ما هي عليه الآن لا يعنى بتاتاً أن طريقها كان ممهداَ ومفروشا بالورود بل على العكس من ذلك تماماً فتاريخ الشركة مليء بالعثرات و الصعوبات ودرب النجاح لم يكن سهلاً عليها مطلقا .

و بما أن لكل سفينة ربانها الذي يكافح ويعمل ما بوسعه لكي يوصلها إلى بر الأمان كذلك كان جوبز بالنسبة لأبل لقد تحدى بها العالم أجمع وصنع من خلالها منتجات مبتكرة كانت نتاج لأفكاره العبقرية التي عملت بحق على تغيير العالم للأفضل , وغيرت قواعد اللعبة في عالم التكنولوجيا والأعمال التجارية .

و بشخصية متناقضة وغريبة الأطوار تتسم بالذكاء الحاد و الجراءة و الديكتاتورية الإدارية استطاع جوبز أن يؤسس شركته الخاصة و يخلقها من العدم من مرأب صغير إلى اكبر شركة تكنولوجيه في العالم.

ولعل صفات جوبز كانت سبباً في نجاحه فهي ملفتة للانتباه بشكل كبير و تثير إعجاب كل من يعرفه سواءاً  بشكل شخصي أو حتى من يقرأ في سيرته الذاتية, ولا عجب أنه حتى من يختلف معه في بعض معتقداته وتصرفاته التي كانت تتسم بالوقاحة وحب التسلط في بعض الأحيان، إلا انه يرفع له القبعة ولأفكاره العبقرية .

ولكي تتضح الصورة بشكل أكبر سيكون من المفيد أن نتعرف على حياة جوبز ورحلته مع ابل حتى وفاته وكيف أن أفكاره و ابتكاراته أوصلت الشركة إلى تحقيق نجاحات مدوية حتى بعد سنوات من وفاته .

الذكاء و الشعور بالألم يكونان شخصية جوبز الناجحة :

ولد ستيف جوبز في العام 1955 لأبوين غير متزوجين بشكل رسمي هما السوري عبدالفتاح الجندالي و الأمريكية جوان سيمبسون , وبعد ولادته تخليا عنه وعرضاه للتبني , فتبناه كلاً من بول وكلارا جوبز و أطلقا عليه اسم ستيفن جوبز .

عاش الطفل جوبز مع أبويه بالتبني حياة بسيطة فحالتهم المادية لم تكن مترفة إلا أنهما حاولا جاهدين توفير متطلبات العيش الكريمة لولدهم المحبوب ذو الذكاء الحاد, لكن و على الر غم من ذلك كان ستيف دائماً ما ينتابه شعور بالألم عندما يتذكر أن والديه الحقيقيين قد تخليا عنه، لكنه تيقن فيما بعد وإعترف عده مرات بأن هذا الموضوع جعل منه شخصاً مميزا وناجحاً .

ظهر لديه شغف كبير  بالإلكترونيات منذ كان صغيراً فكان دائماً ما يرافق والده أثناء عمله في مجال الهندسة الميكانيكية .

درس في المدرسة الابتدائية و أكمل دراسته الثانوية والتحق بالجامعة ولكنه تركها بعد فصل دراسي واحد , كما أنه عاش حياة صاخبة متمردة ومليئة بالتجارب الحياتية بشقيها الجيد والسيء , فقد عمل في بداية حياته في حقل للتفاح ومن خلال مزاولته لهذه المهنة استنبط اسم وشعار شركته الخاصة لاحقاً، ثم عمل في شركة أتاري وتم تعينه فيها بعد أن أثارت طريقة كلامه وشغفه بالعمل إعجاب مدير الشركة وقرر توظيفه على الرغم من مظهره الغريب وغير اللائق .

وفي أثناء دراسته لمرحلته الأخيرة في الثانوية التقى بـ “ستيف وزنياك” الذي كان يماثله في شغفه بالإلكترونيات و تكونت بينهما صداقة كبيرة ومن هنا بدأت فكرة إنشاء شركة خاصة بالإلكترونيات تلوح بالأفق .

جوبز و وزنياك المختلفان في الشخصية والمتفقان على حب الحاسبات الآلية :-

يحملان نفس الاسم الأول ويعشقان الالكترونيات ولكنهما يمتلكان شخصيتان مختلفتان تماماً، فقد تميزت شخصية جوبز بالجراءة والشجاعة والكاريزما العالية في التواصل مع الآخرين , في حين كان وزنياك يحمل شخصية خجولة غير قادرة على مواجهه العالم برغم من ذكاءه الحاد في مجال الهندسة والبرمجيات .

لكن هذا الاختلاف لم يمنعهما من تكوين فريق كان الأنجح والأقوى في وادي السيليكون، ومن الأشياء التي ساعدت في نجاح هذا الثنائي إعجابهما الشديد ببعضهم البعض فقد كان جوبز منبهراً بعبقرية وزنياك الهندسية في المقابل كان وزنياك شديد الإعجاب بإدارة جوبز للعمل وحنكته في التعامل مع الأشخاص .

ابل تولد من مرأب للسيارات و برأس مال قدرة 1300 دولار فقط :

” حتى لو خسرنا مالنا كله , ستكون لدينا شركة للمرة الأولى في حياتنا
ستكون لدينا شركة . ” (جوبز)

مول الشريكان مشروعاهما في البداية من مالهما الخاص فقد قام وزنياك الذي كان يعمل في شركة “اتش بي” ببيع ألته الحاسبة طراز HP65  بـ 500 دولار وتقاضى من المشتري نصف المبلغ , كما باع جوبز سيارته من طراز فولكس فاجن مقابل 1500 دولار ، إلا انه وبعد أسبوع عاد المشتري إلى جوبز ليخبره بأن محرك السيارة قد تعطل عندها اضطر إلى دفع نصف تكلفة الإصلاح , و أخيراً استطاع الثنائي بالإضافة إلى مجموعه من المدخرات تجميع مبلغ 1300 دولار كرأسمال مبدئي للعمل وكانت البداية .

في العام 1976 وقع الطرفان اتفاق تأسيس الشركة بوجود شريك ثالث يدعى “رون واين” وهو صديق جوبز ومهندس في شركة اتاري, وتم تقسيم الحصص كالتالي 45% لجوبز و 45% لوزنياك وحصل الطرف الثالث على حصه 10% من ملكية الشركة كما وقسمت المسؤوليات و المهام فيما بينهما .

ولسوء حظ الشريك الثالث ونتيجة لشعوره بالقلق والتردد من المجازفة في هذا المشروع ولأنه أصبح حذرا للغاية بعد أن كانت له تجربه فاشلة في مجال المشاريع الخاصة ، قرر الانسحاب وبيع حصته للشريكين الرئيسين مقابل 800 دولار , ولو انه لم يفعل هذا في ذلك الوقت لكان من المليارديرات، لكنه على حد قوله لم يندم على قراره الذي اتخذه بناءاً على مجريات ذلك الوقت كما ووصف جوبز و وزنياك قائلا ” لقد كانا عاصفين كالأمواج الهادرة ولم أكن استطيع مواكبتهما .”

من المرأب السحري ابل تبدأ بإنتاج منتجات تحمل اسمها وتدخل للعالم التجاري :-

صمم ستيف وزنياك لوحه الدوائر الكهربائية الخاصة  بجهازApple 1  (أبل1 ) وقام هو وجوبز  بعرضه لبعض الأشخاص ولكنه لم يلقى استحسان الكثير عدا عن شخص أعجب بالتصميم ووافق على شراءه مقابل صفقة اشترط من خلالها تجميع أجزاء المنتج بدلاً من بيعه بشكل منفصل , وافق الشريكان على ذلك وكثفا جهودهما لإنجاح هذه الصفقة التي كلفتهم المزيد من المال لإتمام تجهيز الطلبية الخاصة بها وإيصالها للمشتري بالوقت المحدد,  استعان جوبز ببعض أصدقائه لينضما إلية و شريكة للعمل في المرأب كما واخذ قرضاً من احد أصدقائه لتمويل تكاليف هذا العمل و أخيرا أُنجزت المهمة ونجحت الصفقة .

بعدها ابتكرت شركة ابل بنسختها المصغرة أول جهاز حاسوب خاص بها أطلقت عليه اسم (ابل 2) حيث صمم وزنياك الدوائر الكهربائية للجهاز الجديد وتولى جوبز تجميعها بنفسه على هيئة منتج استهلاكي كما و أصر على تمييز المنتج بتصميم شكل خارجي أنيق وهو ما تطلب تكاليف إنتاج باهظة توجبت طلب المساعدة للحصول على المزيد من التمويل  , بعدها اصدرت الشركة جهازها الجديد و انهالت طلبات الشراء عليه وحقق نجاحاً ملحوظاً كان ذلك في العام 1977.

في هذه الأثناء حصل خلاف طفيف بين الشريكين حيث أعرب ستيف وزنياك عن غضبه من جوبز قائلا ” أنت لا تستحق أي شيء فأنت لم تنتج شيئا.”

تأثر جوبز من هذا الكلام وحتى انه بكى ولكن وزنياك عاد واعترف بنفسة انه لولا جوبز لكان لا يزال يرسم مخططات الدوائر الكهربائية ويبيعها بشكل مجاني كما كان يفعل سابقا، لكن وبسبب جوبز تحولت تصميماته المبتكرة إلى عمل تجاري متنام.

بدأ فريق عمل الشركة يكبر شيئاً فشيئا وأصبحت أبل شركة حقيقية بعد أن إنتقلت من المرأب الى مكتب مؤجر و أصبح لديها عملاء و موردين .

هذا النجاح شكل حافزا كبيراً لجوبز وزاد من رغبته في ابتكار منتج يغير العالم ويكون هو المسئول عنه بشكل كامل هذه المرة , في البداية وقع الخيار على إصدار نسخة جديدة من أجهزة الشركة وأُُطلق على هذا الإصدار اسم (ابل3) لكن مع الأسف لم ينجح هذا الجهاز في السوق بالشكل المطلوب عند عرضة .

حاسوب ليزا هو الفكرة القادمة لجوبز والتي بدأ بتنفيذها مستعيناً بمهندسين من شركة “اتش بي “فقد أراد أن يصنع حاسوبا مختلف كلياً عن سابقيه .

في  12 من ديسمبر عام 1980 تم طرح شركة أبل للاكتتاب و سَعرت البنوك قيمة السهم الواحد ب 22 دولار , تهافتت الجموع على شراء حصة في الشركة الرائدة في مجال الحاسبات مما أدى إلى إرتفاع قيمة السهم إلى 29 دولار في أول  يوم , حينها قفزت ثروة جوبز واصبح يملك 256 مليون دولار وهو لا يزال في سن الـ 25 عاما .

زاول ستيف وفريق عمله العمل على مشروع إنتاج الحاسوب ليزا ونتيجة لبعض التصرفات المزعجة التي قام بها عند معاملته لزملائه  قرر مجلس الإدارة إبعاده عن إدارة هذا المشروع ,عندها بدأ بالبحث عن مشروع أخر ليعمل عليه ووقعت عينه على مشروع فريق أخر بالشركة كان يعمل على تصميم جهاز ماكنتوش، أُعجب ستيف بشكل كبير جدا بهذا المشروع وعمل كل ما بوسعه لكي يحصل عليه وبالفعل بعد مشاجرات ومشاحنات وكلت إليه المهمة وتم تعيين فريق أخر للعمل على مشروع جهاز ليزا .

كَون ستيف فريق متميز من المهندسين والمبرمجين وأخذ يملي عليهم أفكاره و أرائه عن الكيفية التي يريد بها أن يكون هذا المنتج , واستمر في العمل مع الفريق ودعمه ومده بالإلهام اللازم بل وحتى كان يستعمل معهم نوع من التسلط , ولكن فريق العمل كان مؤمناً بأن جوبز وعلى الرغم من تقلب مزاجه إلا أنه يتمتع بجاذبية وحنكة مؤسسية قد تقودهم إلى أن يتركوا بصمة في هذا العالم على حد قولهم .

أطلقت شركة ابل حاسب ليزا في 1983 أي قبل عام من إطلاق جهاز ماكنتوش وحقق الجهاز قدرًا لا بأس به من النجاح , لكن كانت هناك مشكله في هذا الجهاز وهي انه باهظ الثمن مما زاد ذلك من المراهنة على جهاز جوبز المنتظر الذي تحدى به الجميع وصرح بأنه أفضل من جهاز ليزا بمراحل من ناحية السعر والشكل و المضمون .

الحدث الأبرز الذي طال انتظاره جوبز على المسرح لعرض جهازه الجديد، و بسحر تقديمه وأسلوبه الفني المميز في الحديث استطاع ان يقدم عرضاً لا مثيل له، اظهر فيه جهازه كما لو كان قطعة فنية نادرة , حينها نجح الجهاز نجاحاً باهرا في السوق وحقق مبيعات لا مثيل لها كان ذلك في العام 1984 .

ولكن الوضع لم يستمر لفترة طويلة فبعد مده قصيرة بدأت مبيعات الجهاز تقل بشكل ملحوظ وبدأت الخلافات تحدث داخل الشركة حيث أصبح ستيف عصبياً بشكل مخيف ويعامل الموظفين بصورة وقحة, وهو ما أدى إلى  توسع الخلافات بشكل كبير ووصلت إلى خلاف شخصي بين جوبز والمدير التنفيذي للشركة “جون سكالي” الذي عينه ستيف شخصياً بعد أن اجتذبه من شركة بيبسي وحاول بشتى الطرق أن يضمه للعمل في شركة ابل ونجح في إقناعه عند ما قال له ” هل ترغب في أن تقضي بقية عمرك في بيع المياه المحلاة أم ترغب في فرصة لتغيير العالم .” 

ومن ذلك الوقت وعلاقة جوبز قويه جداً مع سكالي فقد كان سكالي يحب جوبز كثيرا ويتغاضى عن بعض أخطاءه ومشاكله داخل الشركة , ولكن الخلافات الأخيرة كانت كبيرة بما فيه الكفاية لأن تجبر سكالي على إقالة جوبز من دوره كمدير لمشروع ماكنتوش وطرده منه بل وحتى من كافه الأقسام الفاعلة في الشركة .

لم يتوقع جوبز أن تتم الإطاحة به بهذا الشكل وشعر بالخيانة, عندها قام بالاستقالة من منصبه في إدارة مجلس الشركة وقاده غضبه إلى بيع كافه أسهمه فيها ولم يبقي إلا سهم واحد فقط .

في المقابل استقال المؤسس الأخر للشركة ستيف وزنياك وذلك بسبب شعوره بأن الشركة لم تعد تهتم بالمشروع الذي يديره وهو جهاز أبل 2, مثل اهتمامها بمشروعي ليزا و ماكنتوش .

ابل تخسر جوبز للمرة الأولى :

” كنت أضحوكة وادي السيليكون حيث طوردت من الشركة التي أسستها وعلى يد الرجل الذي عينته ولكنها كانت أفضل شيء في حياتي حيث أسست شركتي نيكست و بيكسار .”

شغف جوبز وحبه الشديد لتحويل افكاره و ابتكاراته إلى أعمال تجارية كان دافعا قوياً له  للتغلب على طعنه الظهر التي تلقاها من شركة أبل, فبعد استقالته منها اخبر مجلس الإدارة بأنه سوف يؤسس شركه جديدة للحاسبات واختار عند خروجه من الشركة ستة من الموظفين الأكفاء كفريق عمل في شركته الجديدة .

اسس ستيف شركته الجديدة التي اطلق عليه اسم NeXT  (نيكست ) وبدأ هو وفريقة بتصميم الحاسوب الأول الذي سيتم إطلاقة من هذه الشركة ,و ركز ستيف على توجيه هذا الحاسوب الى السوق التعليمية , اطلقت النسخة الأولى من الجهاز في العام 1988 .

في هذه الأثناء كانت شركة ابل مغتاظه بسبب الموظفين الستة الذين اصطحبهم جوبز  معه عندما ترك العمل وعندما علم ستيف بذلك قال “من الصعب التفكير في أن شركة تساوي ملياري دولار و يعمل بها 4300 موظف لا تستطيع أن تنافس ستة أشخاص يرتدون الجينز .”

لم يكتفي ستيف بشركة نيكست فإلى جانبها اشترى شركة بيكسار المتخصصة بعرض أفلام الرسوم المتحركة المصممة بالحاسبات , حققت الأفلام المنتجة عن طريق هذه الشركة نجاحات قوية ومتتالية فلطالما كان جوبز عاشقا للفن وعندما يندمج الفن مع التكنولوجيا ستكون النتائج حتما مبهره فقد حصلت بعض الأفلام على جائزة الأوسكار عند عرضها في الشاشات , كما أن الصفقة التي عقدتها شركة بيكسار  مع شركة ديزني ساهمت في اعطاء المزيد من النجاح لأفلام بيكسار .

وعلى نقيض النجاحات التي حققها جوبز مع بيكسار لم يكن الأمر مماثلاً بالنسبة لشركة نيكست التي لم تحقق النجاح المرغوب منها ولكن جوبز استخدمها  فيما بعد كطعم للعودة من خلالها إلى شركة ابل بعد أن فكر في بيعها لهم .

ابل تسقط بعد رحيل جوبز منها :

“لقد دمر سكالي شركة آبل عن طريق إدخال موظفين فاسدين ومبادئ فاسدة اليها , وكل ما كانوا يسعون إليه هو جمع المال لأنفسهم في الأساس ولشركة آبل بدلاً من صناعة منتجات عظيمة .” جوبز

في بداية الأمر استطاعت شركة ابل التماسك والتغلب على الفراغ الذي شكله جوبز بعد رحيله و استمرت في جني أرباح لا بأس بها لكن وبعد فترة وجيزة بدأت الشركة تفقد حصتها في سوق الحاسبات بعد أن تراجعت مبيعات أجهزة ماكنتوش بشكل كبير ,حينها استغلت شركة مايكروسوفت هذا الوضع و أطلقت نسختها المحدثة من نظام ويندوز الذي حقق ناجحا ملفتا وسيطرت من خلاله على السوق في العام 1995 .

عندها بدأت أسهم شركة ابل بالانخفاض،  مقابل صعود أسهم العديد من شركات التكنولوجيا في ذلك الوقت ,حيث  استمر سهم الشركة بالتهاوي حتى وصل إلى14 دولار للسهم بعد إن كانت قيمته تتجاوز السبعين دولار , وصار شبح الإفلاس يطارد الشركة .

البطل يعود لإنقاذ شركته العزيزة على قلبه :

” سوف أظل دائما متعلقاً بشركة أبل و سوف أتذكرها دائما، كما يتذكر الرجل المرأة الأولى التي أحبها في حياته .” جوبز

في العام 1996 زار جوبز شركة أبل بعد 11 عاماً من طرده منها ووقع مع مجلس إدارتها صفقة بيع نظام تشغيل أجهزة حاسوب نيكست , لكنه لم يعد للعمل بشكل مباشر فيها لأنه كان مرتبطا بعملة كمدير تنفيذي لشركة بيكسار  , وبعد مفاوضات مع مجلس إدارة ابل وافق جوبز على أن يشغل منصب مستشار لمجلس إدارة الشركة، و في ذلك الوقت كانت الشركة لا تزال تعاني من عجز مالي كبير قد يتسبب في نهايتها .

بعد فترة قرر ستيف العودة لشغل منصب عملي وفعال داخل الشركة وتم تعيينه في منصب الرئيس التنفيذي الانتقالي ومن هنا بدأ بالتخطيط والبحث عن الكيفية التي سينقذ من خلالها الشركة، وأول ما قام به هو التخلي عن بعض المنتجات والتركيز على منتجات قليله, بعدها راودته فكرته القديمة وهي صناعه أشياء يمكن التحكم بها عن طريق اللمس بالأصابع بدلاً من الأزرار وكان دائما يردد وهو يشير إلى أصابعه  ” لقد وهبنا الله عشرة أقلام فلا يجب أن نخترع قلما أخر .”

بيد أن تطبيق هذه الفكرة لم يكن ممكناً في ذلك الوقت لذلك ركزت الشركة على أفكار أخرى نتج عنها تصميم جهاز أطلقت عليه اسم iMac وهو حاسوب شخصي , وبمجرد الانتهاء من تصميمه و إنتاجه تم عرضة في الأسواق وحقق نجاحاً لم يحققه جهاز أخر أُنتج داخل الشركة فنسبة مبيعاته كانت ضخمة للغاية .

بعدها قاد عشق ستيف للموسيقى إلى التفكير  في دخول عالم الموسيقى عندها بدأ بالبحث عن فكرة لتصميم منتج موسيقي وكانت النتيجة اختراع جهاز ال iPod  وهو جهاز  لتشغيل الموسيقى تم طرحه بالأسواق تحت شعار ” ألف أغنية في جيبك.” وكالعادة النجاح كان حليفاً للابتكار الجديد .

أيضا المنتج القادم لأبل هو منتج موسيقي بامتياز أُطلق عليه اسم iTunes  وهو موقع خاص بالموسيقى احدث ضجة وثورة كبيرة في عالم الموسيقى و غير قوانين اللعبة فيها .

ومع هذه النجاحات الساحقة والابتكارات التي تحبس الأنفاس كان ستيف قد تخلى عن منصبه كمدير تنفيذي انتقالي وأصبح مديراً تنفيذيا بشكل رسمي لشركة ابل .

لكن الأقدار لم تكن في صالحه هذه المرة حيث بدأ مرض السرطان ينتشر في جسده واخبر موظفيه بحقيقة إصابته بسرطان البنكرياس وبأنه سيخضع لعملية استئصال الورم عندها اخذ إجازة مرضية ووكل مهام إدارة الشركة إلى “تيم كوك” الذي كان يعمل رئيسا لقسم المبيعات الدولية  .         

نجحت العملية التي أجراها وعاد بعدها إلى العمل ومازال حلم ابتكار شاشة زجاجية  تدعم اللمس المتعدد  يراوده بين الحين و الأخر , وهذه المرة قرر تحقيق هذا الهدف مهما كلفه الأمر ,  حينها اخبر بعضاً من رفاقه المهندسين بذلك وفي النهاية تحقق الحلم و أطلقت شركة أبل بقيادة الملهم جوبز أول هاتف محمول يعمل باللمس انه جهاز  الأيفون الذي منذ أن طرح بالأسواق في العام 2007 صار حلم اقتنائه يراود الجميع.

أصبح الجهاز الجديد حديث الصحافة والناس جميعاً وأطلقت مجلة الفورتشن على ستيف جوبز لقب أفضل مدير تنفيذي في العقد .

بدأت صحة جوبز في التدهور ولكنه لم يستسلم وظل يبتكر ويبدع حتى اخر يوم من عمرة وبينما كانت الناس لا تزال مذهولة من المميزات الموجودة في الهاتف المحمول أيفون كان ستيف يخطط لمنتجة القادم، ويلا روعة القادم فكل ما سبق من إبداعات و ابتكارات لم تكن لتضاهي الابتكار الجديد لا شكلاً ولا مضموناً، و في ال 2010  أطلقت شركة أبل قنبلتها الجديدة التي أصابت بشظاياها قلوب الجميع نعم لقد أطلقت جهاز ال iPad  الأيباد ذلك الجهاز اللوحي الذي يجمع بين مميزات غالبية الأجهزة التي سبق وأنتجتها شركة أبل ويحمل شكلا ً شديد الجاذبية والجمال .

استمرت الشركة في عرض منتجات أخرى كمتجر App Store  للتطبيقات و سحابة iCloud  التي خلعت عن الحاسب دوره الرئيسي كمنظم لمحتوانا وجعلت كل أجهزتنا تتزامن بسلاسة .

في ال 2011 اخذ ستيف إجازة مرضية جديدة ولكنها مفتوحة هذه المرة , و تولى تيم كوك مكانة كمدير تنفيذي ,  حينها كانت القيمة السوقية للشركة تساوي 343 مليار دولار والسهم الواحد يساوي 371,66 دولار .

ابل تخسر ستيف للمرة الأخيرة، والقدر يقول كلمته النهائية (رحيل جوبز):

” كانت عبقرية و حماس و طاقة جوبز مصدراً لعدد لا يحصى من الابتكارات التي أثرت وطورت حياتنا جميعاً، بسبب جوبز صار العالم أفضل بدرجة لا يمكن تقديرها .”

بهذه الكلمات نعت شركة آبل فقيدها الراحل ستيف جوبز الذي توفي في  5/10/2011 بعد معاناة مع مرض السرطان، ولعله بخطاب استقالته الذي كتبه في 24/8/2011  قد تنبأ بالمكانة التي ستصل إليها أبل فيما بعد حيث قال فيه ” أنا متيقن من أن أزهى أيام الشركة و أكثرها إبداعاً لم تأتي بعد .”

لقد كان محقا فقد استطاع تيم كوك منذ توليه لمنصب الرئيس التنفيذي للشركة بشكل رسمي في 2011 أن يحافظ على الشركة ويقودها إلى الأمام، و صحيح أن الشركة لم تضيف منتجات تضاهي قوة المنتجات التي ابتكارها مؤسسها الراحل ، إلا أنها استمرت في التطوير والابتكار والتقدم وكسب حصص سوقية أكبر فأكبر حتى استطاعت الاستحواذ على اكبر الحصص السوقية في المجال التكنولوجي  فهي حالياً تعتبر ثالث أكبر شركة من حيث القيمة السوقية في العالم كما أن منتجاتها لاتزال الأقوى على الإطلاق ويكفي أنها صنعت مجداً لم يسبقها اليه أحدا فهي أول شركة تقتحم حاجز التريليون في التاريخ .

2
السابق
الأمن الأسري وارتباطه الوثيق بنهضة المجتمع

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.