غير مصنف

هل المعاناة هي مولدة الإبداع؟

Reading Time: 2 minutes

(من رحم المعاناة يولد الإبداع)، كثير ما نسمع عبارة كهذه، و كثير من الناس مؤمنون أن الألم هو مُولد الإبداع و مُحفز الإنتاجية، وكان المعاناة هي الشرارة المطلقة لهما، و يستشهدون بأمثلة عديدة لأشخاص جعلوا من ما واجهوه في حياتهم نقطة بداية للنجاح، لكن هل المعاناة بحد ذاتها هي ما تطلق قدراتنا أم أن هنالك عوامل أخرى تجعل من المعاناة مثير فعال؟ إجابة هذا السؤال ستستند على الجانب النظري من مدرسة العلاج بالمعنى في علم النفس Logotherapy.

إيمان الإنسان بأنه حر هو أول وأهم العوامل التي تحول من المحنة الى منحة، متى آمن الشخص بأن له الحرية في اتخاذ القرار، وأن الأسى الذي يعيشه له معنى ما، فسيكون القرار دومًا في سبيل تخطي الألم، قد يتساءل أحدهم قائلًا: (وماذا عن محدوديتنا النفسية- كإجبار التكرار- أو الاجتماعية- كاستنكار المجتمع الذي نعيش فيه بعض من السلوكيات- أو الجسمية؟)، لا ننكر أن الإنسان محكوم عليه ببعض العوامل الخارجة عن إرادته والتي لا يمكن تغييرها، إلا أنه لا تزال لديه القدرة الدائمة على اتخاذ القرار متى ما وعى لما يعوقه*، و قراره الحر سيكون بين الإبقاء على وضعه كما هو، أو المجابهة، أو التعالي على المصاعب ليصنع منها سلمًا للنجاح.

و لا حرية يمكن أن تقود لإعطاء العالم ابتكارات الإنسان إن لم تترافق مع المسؤولية، والمسؤولية هي العمل، أي تنفيذ القرارات الحرة، وعيش الإنسان للحظة الحالية بكل كيانه، وإيلاء المكان الذي هو فيه كل تركيزه، أن يعطي العالم أفضل ما لديه في هذه اللحظة وإن اعتصر الألم قلبه، و أن يعطيه أفضل مما لديه حاليًا عندما يكون صور أفضل من نفسه في المستقبل، أن يدرك إن لم ينفذ قدراته، قراراته، أو حريته فلا أحد سواه سوف يقوم بها؛ لأنه:

لا يمكن أن يحل شخص محل شخص آخر، كما أن حياته لا يمكن أن تتكرر، من ثم، تعتبر مهمة أي شخص في الحياة مهمة فريدة مثلما تُعتبر فرصته الخاصة في تحقيقها فريدة كذلك ”فكتور فرانكل” ،

فالمسؤولية هي الجوهر الحقيقي للحياة.

ولابد من معنى للحياة ليُنير درب الحرية والمسؤولية، سبب يحفز الإنسان لممارسة حريته، يجعله يسمو بنفسه عن رغباته وأهوائه لخدمة الآخرين، وخدمة الآخرين هي شرط أساسي لذلك:

 و إذا لم يكن المعنى الذي يُنتظر تحقيقه من الإنسان في الواقع شيئًا سوى تعبير عن الذات، … فإنه يفقد على الفور طبيعته الباعثة على التحدي و العمل، ولا يعود بذلك يدفعه إلى أن يحشد طاقاته وينطلق إلى التقدم ”فكتور فرانكل”،

حينما يدرك الشخص هدفه- بل حلمه- في الحياة فسيطارده دون توقف، وسيصبح هذا الحلم بأهمية الطعام والشراب والهواء، سيُنسي الإنسان ألمه- ولو مؤقتًا- ويساعده في تخطي حدوده الجسمية، الاجتماعية، والنفسية.

إذن وبمنتهى البساطة، الإبداع و الإنتاجية لا يتمخضان عن المعاناة بحد ذاتها، إنما يؤثر عليهما اتجاه الشخص ومنظوره تجاه المعاناة، يحفز الإبداع إيمان الإنسان أن لحياته معنى وهدف يمكنه من خدمة البشرية، يحفز الإنتاجية حرية تدفع الشخص إلى السعي نحو اتخاذ القرارات وإن أعاقتها العديد من العقبات، يحفز الإبداع شعور الإنسان بالمسؤولية وأن عليه اتحاف العالم بما لن يقوم به غيره إن لم يؤده هو، أظن أن كل هذه المحفزات يمكن أن يمتلكها كل شخص منا ويعمل على تقويتها إن كان لديه من الوعي الكافي لإدراك وضعه الحالي والسابق، وإن تحلى بالشجاعة الكافية لاتخاذ القرار الحر بتعزيز النقاط السابقة لديه.


*  تسمى في علم النفس بالحتميات.

7
السابق
شعوره بالألم لتخلي والداه عنه صنع منه أفضل مدير تنفيذي في التاريخ (القصة الكاملة لنجاح شركة أبل ومؤسسها الراحل ستيف جوبز)

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.